أحمد بن محمد ابن عربشاه
89
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الإمكان ما قدر من الزاد والماء ، والمركب والكلأ ، ونور الطريق والمسافر والرفيق ، والخادم والأنيس ، والمنادم والجليس ، ويمهد المضجع للمبيت والمقيل ، ويهيئ الموضع في النزول والرحيل . وبالجملة لا يترك من أفعال الخير شيئا إلا فعله ولا مجملا إلا فصله ، ولا متأخرا إلا قدمه ، ولا معاملا في مبايعة إلا أسلفه وأسلمه . وليعلم أن كل ذلك محتاج إليه ومصروف لديه إذا نقل إلى دار البقاء وأقبل عليه ، فإذا جاء وقت الرحيل ونادى منادى الانتقال والتحويل ؛ وجد ما كان في عمله حاضرا ، وكل ما قدمه إلى رياض الخير نزها ناضرا ، كما قال ذو الجلال وأخبر به الصادق في الوعد والمقال إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصلت : 30 ] . معنى أن أَلَّا تَخافُوا : لا خوف عليكم فيما هو أمامكم ، ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم ، فإذا دخل في قبره وجده روضة من رياض الجنة ، يبشرهم ربهم برحمة منه ، ورضوان وجنات ، لهم فيها نعيم مقيم . وأما الشقي الغافل الغبي الذي أمهل أمره ونسي الله وذكره ، وأهمل ما خلق لأجله وتاه في بيداء الضلال وسبله ، فقد اغتر بهذه اللذة اليسيرة في تلك المدة القصيرة ، واستمر سكران في ميدان العصيان ، من خمرة الطغيان وتردى لباس الردى أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] . فانهدمت عمارتهم ، ولا ربحت تجارتهم ، حتى إذا جاءه الوقت المعلوم ونزل به الأجل المحتوم ، ونظر أمام وتراءت له الأعلام وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [ الواقعة : 93 ، 94 ] . نزل من دار الغرور إلى دار الشرور ، فندم ولا ينفعه الندم ، وقد زلت به القدم ، فخاب مآبا ، وقال يا ليتني كنت ترابا . فانظروا يا أولادي ، وعدّتى وعتادى ؛ حال الفريقين ، وتأملوا للطائفتين ، فقد بذلت في النصيحة جهدي وأستخلف الله عليكم من بعدى .